جان لوئيس بوركهارت
373
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
خيّل إلىّ أن كل ضرب منها اختصت به بقعة من الشاطئ . على أن بخليج الفجع أشتاتا من هذا الصدف ، لفت نظري منها السر مباق ، والصدف الأبيض الصغير الذي يسمونه في القاهرة « الودع » ، وتستعمله نساء الفجر في الإنباء بالبخت ، فيضربن بعضه ببعض وهن يذكرن اسم الشخص ويلحظن موقع الودع من الأرض حين يقع . 12 يوليو - هبت علينا ريح مواتية ، ولكن افتقارنا إلى الماء أكرهنا على دخول خليج عراقية قبل الظهر بكثير . وكان من عادتنا ألا نقلع في الصباح إلا إذا ارتفعت الشمس في الأفق ارتفاعا يتيح لنا رؤية المياه الضحلة والشعاب على بعد كاف ، فإن عين الربان هي دليله الوحيد في أكثر هذه الخلجان المتشابكة . وجلب العرب هذا المساء على الإبل والحمير قدرا كبيرا من الماء استقوه من مستودع لماء المطر موجود في الجبال على ثلاث ساعات أو أربع . والخليج كله من الأصداف المتكلسة ، وهو مرفأ أمين للسفن الكبيرة . وفي هذا الموضع اشتبكت في شجار عنيف مع بعض التجار السواكنية الذين لم يكفوا عن الإساءة جهدهم إلى الزنوج المساكين ، والذين أبوا أن يستمعوا إلى شئ من توسلاتى من أجلهم . وعلى الرغم مما رأوا من الاحترام الذي عوملت به في سواكن فقد أسقطونى من عيونهم لأنى لا أملك ثوبا جديدا ، ولأنهم ظنوني مسرفا في عشرة هؤلاء السود الصعاليك على حد قولهم . وقد آزرنى في جهودى للدفاع عن التكارنة رجل من الأروام المسيحيين قدم معنا من سواكن ، وكانت صحبته مبعث تسلية لي في الرحلة ، واسم الرجل « اسطافا » وهو من أهالي الجبل الأسود ، والبحر صناعته . وكان قد زار إنجلترة قبل سنوات على مركب حربي بعثه محمد على باشا ليرجو الإذن له بالإبحار إلى البحر الأحمر بطريق رأس الرجاء الصالح ، وأقام الرجل في بلاد الإنجليز عاما كاملا تعلم فيه شيئا من لغتهم ، ولما عاد عينه الباشا قبطانا لمركب في البحر الأحمر . أما ذهابه إلى سواكن فلاسترداد بضع مئات من الريالات كان قد استدانها منه سواكنى ، وكان الآن عائدا إلى جدة . وقد خالنى الرجل - كما خالنى غيره من ركاب السفينة - شاميا ، وأخذ يحدثني